الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
114
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
دون محاولة إتيانه . والإرسال يجوز أن يكون حقيقة فيكون مفعول أَنْ نُرْسِلَ محذوفا دل عليه فعل نُرْسِلَ . والتقدير : أن نرسل رسولنا ، فالباء في قوله : بِالْآياتِ للمصاحبة ، أي مصاحبا للآيات التي اقتراحها المشركون . ويجوز أن يكون الإرسال مستعارا لإظهار الآيات وإيجادها ، فتكون الباء مزيدة لتأكيد تعلق فعل نُرْسِلَ بِالْآياتِ ، وتكون بِالْآياتِ مفعولا في المعنى كقوله تعالى : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [ المائدة : 6 ] . والتعريف في بِالْآياتِ على كلا الوجهين للعهد ، أي المعهودة من اقتراحهم كقولهم : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ، [ الإسراء : 90 ] و قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى [ القصص : 48 ] و قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ [ الأنعام : 124 ] على أحد التأويلين . و ( أن ) الأولى مفيدة مصدرا منصوبا على نزع الخافض ، وهو ( من ) التي يتعدى بها فعل المنع ، وهذا الحذف مطرد مع ( أن ) . و ( أن ) الثانية مصدرها فاعل مَنَعَنا على الاستثناء المفرغ . وإسناد المنع إلى تكذيب الأولين بالآيات مجاز عقلي لأن التكذيب سبب الصرف . والمعنى : أننا نعلم أنهم لا يؤمنون كما لم يؤمن من قبلهم من الكفرة لما جاءتهم أمثال تلك الآيات . فعلم الناس أن الإصرار على الكفر سجية للمشرك لا يقلعها إظهار الآيات ، فلو آمن الأولون عندما أظهرت لهم الآيات لكان لهؤلاء أن يجعلوا إيمانهم موقوفا على إيجاد الآيات التي سألوها . قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كلمات رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ [ يونس : 96 - 97 ] . والأظهر أن هذا تثبيت لأفئدة المؤمنين لئلا يفتنهم الشيطان ، وتسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلّم لحرصه على إيمان قومه فلعله يتمنى أن يجيبهم اللّه لما سألوا من الآيات ولحزنه من أن يظنوه كاذبا . وجملة وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ في محل الحال من ضمير الجلالة في مَنَعَنا ، أي وقد آتينا ثمودا آية كما سألوه فزادوا كفرا بسببها حتى عجل لهم العذاب . ومعنى مُبْصِرَةً واضحة الدلالة ، فهو اسم فاعل أبصر المتعدي إلى مفعول ، أي